اعلان اعلي سليدر
اعلان هيرميس

باسم الشربيني يكتب: العاصمة الجديدة.. حين يتحول الإعلان من ترويج عقاري إلى سردية دولة

الإعلان الأخير للعاصمة الجديدة لم يكن مجرد حملة ترويجية جيدة الصنع، ولا حتى نموذجًا ناجحًا في استخدام النجوم والجملة الختامية المؤثرة. ما شاهدناه أقرب إلى وثيقة تموضع جديدة للمدينة، وإلى إعادة تعريف للعاصمة باعتبارها مشروع دولة مكتمل الملامح، لا مجرد مشروع عمراني قيد التنفيذ.

أكتب هذا التحليل بخبرة تتجاوز خمسة وعشرين عامًا في التسويق الاستراتيجي، وبصفتي من أوائل المؤمنين بالعاصمة الإدارية والمروجين لها خلال السنوات الست الماضية. لذلك أتعامل مع الإعلان لا كمشاهد، بل كمتابع لمسار تطور الخطاب الخاص بالعاصمة منذ انطلاقها بعد القرار الجرئ من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي في مؤتمر دعم و تنمية الاقتصاد المصري في شرم الشيخ في ١٣ مارس ٢٠٢٥ بدتشين هذه المدينه و تحويل هذا التراب الي دهب خالص عالي القيمة.

أولًا: من إعلان بيع… إلى إعلان هوية

الإعلانات الأولى للعاصمة ركزت على فكرة «المشروع القومي»؛ سردية البناء، الحجم، الأرقام، والإنجازات الهندسية.

أما الإعلان الأخير فيمثل انتقالًا واضحًا إلى مرحلة مختلفة: مرحلة «الهوية».

لم يعد الخطاب يدور حول ما يُبنى، بل حول ما يعمل.

لم يعد الحديث عن المستقبل، بل عن الحاضر.

هذا التحول مهم للغاية؛ لأن أي مدينة لا تكتسب مكانتها بمجرد اكتمال مبانيها، بل حين تتحول إلى مسرح للحياة والإنجاز. الإعلان قدّم العاصمة كـ “Stage” — منصة للنجاح، للثقافة، وللمكانة الاجتماعية.

ثانيًا: قراءة في البناء الاتصالي للحملة

من منظور استراتيجي، يتضح أن العمل انطلق من بريف واضح ومحدد:

• رسالة مركزية متماسكة

• تحديد دقيق للفئات المستهدفة

• توزيع ذكي لنقاط القوة (USPs)

• توظيف النجوم كحاملين لقيم، لا كعناصر استعراضية

كل شخصية مشاركة في الإعلان تمثل قيمة:

الانضباط، النجاح، الإبداع، الثقة…

وبذلك يصبح المشاهير أدوات توصيل للرسالة، لا غاية في حد ذاتهم.

النتيجة هي إعلان متسلسل بصريًا وفكريًا، ينتهي بجملة ختامية «ممسوكة» تترجم الفكرة الكبرى في صياغة مختصرة وواضحة.

ثالثًا: البعد السياسي — Political Branding

في علم “البراند السياسي”، لا تكتفي الدول ببناء المشروعات؛ بل تبني سرديات حول هذه المشروعات.

الإعلان يرسخ ثلاث رسائل سياسية ضمنية:

1. تعزيز الثقة:

المدينة قائمة، تعمل، وتستضيف الحياة.

الخطاب لم يعد دفاعيًا، بل واثقًا.

2. تحويل العاصمة إلى رمز مؤسسي:

لم تعد مجرد موقع إداري، بل عنوانًا لمرحلة تحديث الدولة المصرية.

3. تجاوز الجدل بالفعل لا بالرد:

أقوى رد على أي تشكيك هو عرض واقع متحقق.

الحياة اليومية هي الحجة الأبلغ.

بهذا المعنى، الإعلان لا يخاطب السوق العقاري فقط، بل يخاطب الرأي العام، ويعيد صياغة صورة المشروع في الوعي الجمعي.

رابعًا: Nation Branding — صورة مصر الحديثة

في تجارب الدول الكبرى، غالبًا ما تختزل مدينة واحدة صورة الدولة بالكامل:

دبي، سنغافورة، واشنطن…

العاصمة الإدارية تتحرك تدريجيًا لتكون جزءًا من “Brand Egypt” المعاصر؛ صورة دولة قادرة على التخطيط، والتنفيذ، وإدارة مدينة حديثة بمعايير عالمية.

الإعلان يحمل رسالة غير مباشرة للمستثمر الأجنبي بقدر ما يخاطب المواطن:

مصر لا تبني فقط… بل تُشغّل وتُدير وتُرسّخ نموذجًا حضريًا جديدًا.

وهذا التحول في الخطاب يتزامن مع اقتراب عام 2026، الذي يمثل مرحلة مفصلية في اكتمال انتقال مؤسسات الدولة وتشغيل المدينة بكامل طاقتها

الرسائل القوية لا تُبنى صدفة، بل نتيجة عمل مؤسسي منظم وفهم عميق للمرحلة.

 

العاصمة الجديدة لم تعد بحاجة إلى إعلان يثبت وجودها.

هي الآن بحاجة إلى إعلان يرسخ هويتها.

الحملة الأخيرة خطوة واضحة في هذا الاتجاه؛ انتقال من مشروع يُعرّف نفسه، إلى مدينة تُعرّف مرحلة كاملة في تاريخ التطوير العمراني المصري.

والمرحلة — كما أؤمن دائمًا — ليست فقط مرحلة بناء…

بل مرحلة إدارة صورة، وثقة، وهوية وطنية.

 

 

باسم الشربيني

الرئيس التنفيذي لشركة إتقان للاستشارات المالية والتسويقية

رئيس لجنة العاصمة بجمعية المطورين العقاريين

 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار